افتتاحية أنفيت – 12 يناير 2026
دانكاليا ليست مجرد منطقة على الخريطة؛ إنها ذاكرة حيّة منحوتة على حافة البحر الأحمر، مكان يحمل فيه النسيم قصصًا أقدم من الحدود، وحيث عاش شعب العفر بكرامة وشجاعة وولاء لا ينكسر عبر قرون طويلة. تلمع سهولها المالحة كأنها مرايا للسماء، وتنهض جبالها البركانية كحراس قدماء، وتغذّي مياهها الساحلية أجيالًا تعرف البحر كما تعرف عائلاتها. لقد شكّلت هذه الأرض شعبها، وشعبها شكّل إريتريا.
العفر في إريتريا ليسوا هامشًا في قصة الوطن؛ إنهم حراسه. راقبوا البحر عندما اقتربت السفن الاستعمارية، ودافعوا عن الجبهة الجنوبية عندما تطلّبت معركة التحرير التضحية. قاتلوا في الخنادق، وعلى التلال، وعلى السواحل — لا كشعب منفصل، بل كإريتريين كتب دمهم ثمن الاستقلال. ثقافتهم، وشجاعتهم، والتزامهم الثابت بإريتريا منسوجة في نسيج الأمة.
ومن هذا المكان من الانتماء والذاكرة والمسؤولية تتحدث أنفيت اليوم. نحن لا نتحدث كمراقبين بعيدين، بل كأبناء هذه الأرض، كأوصياء على ساحل دافع عنه أسلافنا، وكشهود على تطور مقلق يهدد وحدة وسيادة إريتريا. شعار كان يومًا صدىً للوطنية — “دانكاليا ليست للبيع” — عاد للظهور اليوم بشكل مشوّه. طُبع على القمصان وتداولته الإنترنت عبر المؤتمر الوطني لعفر إريتريا (EANC) لسنوات، لكنه الآن يُستخدم بمعنى يتعارض جذريًا مع المصالح الوطنية لدانكاليا وإريتريا. خلف هذا الشعار تكمن معركة أعمق حول الهوية والسيادة ومستقبل وحدة الأراضي الإريترية.
دانكاليا ليست ورقة مساومة. ليست سلعة تُفاوض عليها القوى الأجنبية أو رواد السياسة أو التحالفات العابرة للحدود. ومع ذلك، يتم اليوم إحياء سرد خطير — سرد يهدد بتشويه الهوية، وتحريف التاريخ، وتمزيق الوحدة التي قاتل من أجلها أجيال من الإريتريين. أصبح ساحل دانكاليا، أحد أكثر السواحل استراتيجية في العالم، هدفًا للطموحات الجيوسياسية. مضيق باب المندب، وممرات الشحن بين القارات، وممر عصب ليست مفاهيم مجردة؛ إنها شرايين التجارة العالمية ومحور التنافس الدولي. الحكومات الأجنبية تدرك ذلك. الفاعلون الإقليميون يدركون ذلك. والسياسيون الطامحون يدركون ذلك أيضًا.
لهذا السبب، فإن المحاولات الأخيرة لتأطير دانكاليا من خلال عدسة الاعتراف بأسلوب “أرض الصومال” — والتي تضخمها وسائل الإعلام الأجنبية ونشطاء الشتات — ليست بريئة. إنها محسوبة. إنها انتهازية. وهي خطيرة للغاية. إن التحالف الثلاثي للعفر الذي يمتد عبر إريتريا وجيبوتي وإثيوبيا ليس مبادرة ثقافية، بل مشروع سياسي له تداعيات إقليمية. عندما يبدأ التحالف بالحديث عن الحكم الذاتي أو الاعتراف أو الشراكات الأجنبية، فإنه لم يعد يدافع عن الحقوق — بل يفاوض على الأرض. ولا أحد يملك سلطة التفاوض على أرض إريتريا.
يستحق شعب العفر حقوقًا — حقوقًا حقيقية، لا مجرد رموز أو وعود أجنبية. يستحقون التمثيل، والتنمية، والحماية الثقافية، والإدماج السياسي في إريتريا ديمقراطية. لكن يجب السعي وراء هذه الحقوق داخل إريتريا، وليس من خلال تفتيت مدفوع من الخارج. التاريخ في القرن الأفريقي واضح بشكل مؤلم: عندما تتدخل القوى الخارجية باسم “حماية” مجتمع ما، فإن النتيجة ليست التمكين — بل التهجير، والعسكرة، والاستغلال. يستحق شعب العفر أفضل من أن يُستخدم كبيادق في لعبة جيوسياسية تخص الآخرين.
القانون الدولي لا يدعم التفتيت. بموجب ميثاق الأمم المتحدة، والميثاق التأسيسي للاتحاد الأفريقي، ومبدأ أوتي بوسيديتيس يوريس، فإن حدود إريتريا ثابتة ومعترف بها ومحميّة. لا يمكن لأي دولة أجنبية التفاوض على أراضي إريتريا. لا يمكن لأي مجموعة دون دولة أن تسعى للاعتراف الخارجي بالحكم الذاتي الإقليمي. لا يمكن لأي تحالف عابر للحدود أن يدّعي السلطة على أرض إريتريا. أي محاولة للقيام بذلك غير قانونية، ومزعزعة للاستقرار، وانتهاك مباشر لسيادة إريتريا. أولئك الذين يروّجون لمثل هذه الأجندات — عن قصد أو عن غير قصد — يلعبون بالنار.
القرن الأفريقي يدخل عصرًا جديدًا من المنافسة الاستراتيجية. يتم تسليح الموانئ والسواحل والهويات العرقية من قبل جهات تسعى إلى النفوذ. لقد رأينا هذا النمط من قبل: جدل الاعتراف بأرض الصومال، تفكك إثيوبيا، عقود الإيجار العسكرية الأجنبية في جيبوتي، عدم الاستقرار في البحر الأحمر في السودان، والصراع المستمر في اليمن. يمكن أن تصبح دانكاليا بسهولة نقطة الاشتعال التالية. ومتى ما أصبحت السواحل ورقة مساومة، نادرًا ما تعود إلى أصحابها الشرعيين.
موقف أنفيت واضح، لا لبس فيه، ولا يتزعزع. دانكاليا ليست للبيع — لا للحكومات الأجنبية، ولا للانتهازيين السياسيين، ولا للتحالفات العابرة للحدود التي تنتهك السيادة، ولا لأي شخص يسعى لتقسيم إريتريا تحت ستار حماية شعبها. شعب العفر إريتري. وطنهم إريتري. مستقبلهم إريتري. ووحدة إريتريا ليست مسألة تفاوض — إنها مسألة بقاء.
الشعار الذي ظهر يومًا على القمصان أصبح الآن جرس إنذار وطني. دانكاليا ليست للبيع لأن إريتريا ليست للبيع. ساحلها ليس ورقة مساومة. شعبها ليس أداة جيوسياسية. سيادتها ليست موضوعًا للنقاش الأجنبي. أولئك الذين يغامرون بوحدة أراضي إريتريا — سواء من خلال السرد الإعلامي، أو التحالفات السياسية، أو الشراكات الأجنبية — يجب أن يدركوا خطورة أفعالهم.
لقد بُنيت إريتريا بالتضحية. دُفعت وحدة البلاد بالدم. ولن يُعاد رسم حدودها من قبل أي أحد. قد يراقب العالم البحر الأحمر، لكن الإريتريين — وخاصة العفر — يراقبون عن كثب وبوعي أكبر.







