في القرن الإفريقي، حيث تُصاغ التحالفات السياسية غالباً في لحظات الأزمات وتتفكك تحت وطأة انعدام الثقة، يبرز التقارب الجديد بين جبهة تحرير تيغراي (TPLF)، والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة في إريتريا (PFDJ)، وحركة فانو في أمهرة، وقوات تحرير أورومو، بوصفه تطوراً استثنائياً. فهذه أطراف تحمل تاريخاً طويلاً من الصراع، والعداء الأيديولوجي، والجراح المتبادلة. تقاربها اليوم لا يعكس وحدة سياسية، بل يكشف حجم الاضطراب العميق الذي يخيّم على إثيوبيا والمنطقة بأسرها.
ما يجمع هذه الأطراف المتباعدة ليس رؤية مشتركة، بل قلق مشترك — إدراك بأن المسار السياسي لرئيس الوزراء آبي أحمد دفع المنطقة إلى حافة خطرة. هذا الاصطفاف ليس تحالفاً بقدر ما هو عرضٌ لأزمة أعمق: إرهاق سياسي، قلق إقليمي، ورفض شعبي متزايد للتنازل عن الحقوق أمام تغوّل السلطة.
تقارب وُلد من سوء تقدير
آبي أحمد، الذي كان يُشاد به يوماً كإصلاحي وحائز على جائزة نوبل للسلام، يجد نفسه اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى منذ توليه السلطة عام 2018. حكومته محاصرة عسكرياً، ومطوّقة إقليمياً، ومكشوفة استراتيجياً.
هذه العزلة ليست نتاج حركة ديمقراطية منسقة، بل نتيجة:
الدمار الذي خلّفته حرب تيغراي،
تآكل الثقة بين المكوّنات الإثنية الكبرى في إثيوبيا،
التعثر في تنفيذ اتفاق بريتوريا،
والتأثير المزعزع لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي أعادت تدخلاتها العسكرية والسياسية تشكيل ميزان القوى في المنطقة.
بدلاً من استقرار إثيوبيا، عمّقت هذه العوامل الانقسامات الداخلية، وشجّعت طموحات بلا أسس مؤسسية. والنتيجة تحالف لم يكن أحد ليتوقعه — ولا ليصدّق حدوثه.
يقظة إريترية محسوبة
الدور الإريتري في هذه اللحظة بالغ التعقيد. فالشعب الإريتري، المعروف بصلابته وتمسكه بسيادته، يراقب التطورات بمزيج من الحذر والقلق. تقاربُه المؤقت مع القوى المناهضة لآبي أحمد لا يعني تجديد الثقة بقيادة الجبهة الشعبية.
الإريتريون يدركون جيداً:
غياب الحكم الدستوري،
تركّز السلطة في يد فرد واحد،
انعدام الضوابط المؤسسية،
وتآكل الكرامة الوطنية عبر انخراطات إقليمية غامضة.
الموقف الإريتري تحكمه مخاوف وجودية: تهديدات الحدود، المطالب البحرية الإثيوبية، والخشية من فقدان السيادة التي دُفع ثمنها غالياً. لكن ما إن تنقضي اللحظة الراهنة، ستعود المطالبة بـ تغيير ديمقراطي جذري بقوة أكبر. هذه لحظة توقف — لا لحظة عفو.
معارضة إثيوبية مفككة
الأطراف الإثيوبية المنخرطة في هذا الاصطفاف تواجه بدورها هشاشة داخلية:
جبهة تحرير تيغراي أُنهكت بالحرب والانقسامات.
حركة فانو مقيدة باتفاق بريتوريا وغارقة في توترات إثنية متصاعدة.
قوات تحرير أورومو منقسمة بين أجنحة سياسية وعسكرية، ما يحدّ من قدرتها على صياغة أجندة وطنية موحدة.
هذا ليس تحالفاً قائماً على انسجام أيديولوجي، بل ائتلاف مضطرّين استنفد كل طرف فيه خياراته المنفردة.
انهيار السودان كتحذير إقليمي
انزلاق السودان إلى الفوضى يقدم درساً صارخاً. فدمار الخرطوم لم يكن استراتيجية عسكرية — بل عملية تفكيك للدولة. لا يبدأ أي مخطط عسكري شرعي بتدمير عاصمة بلاده. وحدهم المفترسون يبدأون من البطن.
فهم السودانيون ذلك، فوقفوا خلف الفريق عبد الفتاح البرهان ضد محمد حمدان دقلو (حميدتي). لم يكن ذلك تزكية لسجل أي منهما، بما في ذلك إسقاط حكومة عبد الله حمدوك، بل محاولة يائسة للحفاظ على بقاء الدولة.
وتكشف مأساة السودان حقيقة لا يمكن للمنطقة تجاهلها:
حين تنهار المؤسسات، لا تركع الدول — بل تسقط في الهاوية.
محور البحر الأحمر وثقل الجغرافيا
من منظور البحر الأحمر، فإن اصطفاف مصر والسعودية مع المؤسسات الشرعية في السودان ليس أيديولوجياً، بل استراتيجياً. فالبحر الأحمر شريان مشترك للتجارة والأمن. وأي اضطراب — خصوصاً من المطالب البحرية الإثيوبية أو خطابها تجاه إريتريا — يهدد المنطقة بأكملها.
لذلك، فإن إعادة التموضع الإقليمي يجب أن تراعي:
اتفاق بريتوريا،
اتفاق الجزائر،
واتفاقيات حوض النيل.
هذه ليست وثائق اختيارية، بل البنية القانونية لاستقرار المنطقة.
لحظة لا ينبغي للقادة إساءة قراءتها
الخطر الأكبر اليوم هو أن يظن القادة — في أسمرة، ومكلي، وبحر دار، والفضاء السياسي الأورومي — أن هذه اللحظة تمنحهم شرعية جديدة.
لكنها لا تفعل.
هذه اللحظة ملك للشعوب:
الإريتريون المدافعون عن سيادتهم،
التيغرايون الخارجون من الدمار،
الأمهرا الرافضون للتهميش،
الأورومو المطالبون بالعدالة،
والسودانيون الذين يقاتلون من أجل بقاء دولتهم.
هؤلاء هم من رفضوا التنازل عن حقوقهم.
هؤلاء هم من قاوموا تغوّل السلطة.
هؤلاء هم من حافظوا على إمكانية مستقبل ديمقراطي.
وعندما تنتهي هذه المواجهة، سيواجه كل نظام — الإريتري، والإثيوبي، والتيغراي، والأمهرا، والأورومي — سؤالاً واحداً:
هل أنتم مستعدون لتلبية المطالب الديمقراطية لشعوبكم؟
فالتاريخ نادراً ما يرحم القادة الذين يبدّدون مثل هذه اللحظات.





