ياسي متجذّر في ماضٍ ضائع

افتتاحية أنفت (ANFET)

طموح إثيوبيا نحو البحر الأحمر ليس سياسةً بقدر ما هو رد فعل سياسي متجذّر في ماضٍ مفقود

استلهاماً من التحليل الوارد في فيديو قناة MappedNation1 بعنوان: «لماذا تسعى إثيوبيا إلى شراء دولة أخرى؟»

رابط الفيديو:

 

غالباً ما يُقدَّم التعلّق الإثيوبي المتكرر بالبحر الأحمر باعتباره ضرورة جيوسياسية تفرضها متطلبات العصر الحديث. غير أن التحليل الذي تقدمه قناة «MappedNation1» يكشف أن هذا التوجّه ليس حديث النشأة على الإطلاق، بل هو انعكاس لنزعة سياسية متجذّرة في الحنين إلى منفذ بحري كانت إثيوبيا ترتبط به بصورة غير مباشرة عبر مملكة أكسوم؛ تلك الحضارة التي لم يكن مركز ثقلها البحري في إثيوبيا، بل في ميناء عدوليس التاريخي الواقع في إريتريا.

ومن هنا تبدأ جذور هذه النزعة؛ من استحضار ذاكرة الوصول إلى البحر، الذي لم تمتلكه إثيوبيا، وفقاً لهذا الطرح، بوصفها دولة ذات سيادة. فقد شكّل ميناء عدوليس بوابة مملكة أكسوم إلى العالم، وكان مركزاً تجارياً مزدهراً يقع بالكامل ضمن الحدود الحالية لإريتريا. وعندما أفلت شمس مملكة أكسوم، لم ترث إثيوبيا ميناء عدوليس، وإنما ورثت الحنين إلى ميناء يقع خارج حدودها. ومع مرور الزمن، تحوّل ذلك الحنين إلى تصوّر سياسي، ثم ترسّخ هذا التصوّر ليصبح شعوراً باستحقاق امتلاك منفذ بحري.

ومع تعاقب القرون، أخذ ساحل البحر الأحمر يبتعد أكثر فأكثر عن متناول إثيوبيا. ففي أواخر القرن التاسع عشر، احتلت إيطاليا إريتريا، وأنشأت موانئ حديثة على امتداد الساحل ذاته الذي ازدهرت عليه التجارة عبر ميناء عدوليس قديماً. ووجدت إثيوبيا نفسها مجدداً دولة حبيسة، تراقب القوى الأجنبية وهي تفرض سيطرتها على البحر.

وبعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، لم يتحوّل الساحل إلى أراضٍ إثيوبية، بل أصبح مستقبل إريتريا موضع بحث وقرار على مستوى الأمم المتحدة، في أعقاب فترة الإدارة البريطانية. وحتى في تلك المرحلة، لم تكن إثيوبيا تمتلك، وفقاً لرؤية الافتتاحية، حقاً قانونياً أصيلاً في الساحل، وإنما كانت لديها تطلعات سياسية للوصول إليه.

وقد تحوّلت تلك التطلعات إلى سياسة فرض الأمر الواقع عام 1962، عندما ألغت إثيوبيا الاتحاد الفيدرالي الذي أُنشئ بموجب قرار الأمم المتحدة، وضمت إريتريا إليها. ولم يكن ذلك الضم اتحاداً قائماً على الإرادة الحرة، بل إجراءً أحادياً استهدف إضفاء هوية بحرية على دولة تفتقر إلى منفذ بحري.

وبحسب هذا التحليل، فإن وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر خلال تلك الحقبة لم يستند إلى حق تاريخي مشروع أو سيادة مكتسبة بصورة قانونية، وإنما كان نتيجة فرض السيطرة بالقوة السياسية والعسكرية؛ وهي السيطرة التي قاومها الإريتريون على مدى ثلاثين عاماً.

لقد كانت حرب الاستقلال الإريترية، في جوهرها، نضالاً لاستعادة السيادة على الأرض والبحر معاً. وعندما انتصرت الثورة الإريترية عام 1991، استعادت إريتريا سيادتها على مجالها البحري. فعاد الساحل الذي استخدمته إثيوبيا خلال فترة الضم إلى سيادة أصحابه الشرعيين.

وفي عام 1993، أكّد الشعب الإريتري هذه السيادة من خلال استفتاء جرى تحت إشراف الأمم المتحدة، وأسفر عن تفويض شعبي ديمقراطي واضح للاستقلال، يُعدّ من أبرز تجارب تقرير المصير في التاريخ الأفريقي الحديث. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت حدود إريتريا، بما فيها سواحلها البحرية، معترفاً بها دولياً، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها موضوعاً للمساومة أو التفاوض على السيادة.

وبعد الاستقلال، أتاحت إريتريا لإثيوبيا استخدام موانئها بموجب ترتيبات تجارية. وكانت تلك الترتيبات اتفاقيات لتقديم خدمات الموانئ، وليست تنازلات سياسية أو سيادية. فإثيوبيا كانت مستفيداً من الخدمات، وليست شريكاً في ملكية الموانئ أو السيادة عليها.

وعندما اندلع النزاع بين البلدين عام 1998، اتخذت إثيوبيا قراراً حاسماً بسحب عمليات الشحن التابعة لها من الموانئ الإريترية، ونقل أنشطتها اللوجستية إلى جيبوتي. وتؤكد الافتتاحية أن إثيوبيا لم تُطرَد من تلك الموانئ، ولم يُحرَم عليها الوصول إليها، بل غادرتها بمحض إرادتها. وهو ما يقدمه التحليل دليلاً على أن علاقتها بالساحل الإريتري كانت علاقة تجارية قائمة على المصالح والخدمات، وليست علاقة سيادة أو ملكية.

وهذا هو المسار التاريخي الذي يسلّط عليه تحليل «MappedNation1» الضوء؛ سلسلة من المحطات والأحداث التي تسعى إلى تفكيك الرواية القائلة بوجود حق إثيوبي مكتسب في البحر الأحمر.

فمن ميناء عدوليس إلى الحقبة الاستعمارية الإيطالية، ومن قرارات الأمم المتحدة إلى الضم الإثيوبي، ومن حرب التحرير إلى استفتاء تقرير المصير، وصولاً إلى اتفاقيات استخدام الموانئ وانسحاب إثيوبيا الطوعي منها، تؤكد الافتتاحية أن الساحل ظل جزءاً من المجال الجغرافي والتاريخي الإريتري.

ومن هذا المنظور، فإن التعلّق الإثيوبي بالبحر الأحمر لا يستند إلى أسس قانونية أو جغرافية أو إلى مقتضيات الدبلوماسية الحديثة، بقدر ما يستند إلى حنين تاريخي، وهواجس سياسية، ونزعة متكررة لاستعادة واقع مضى.

وتكمن خطورة هذه النزعة في أنها قد تدفع القيادات السياسية إلى التعامل مع الحدود السيادية للدول باعتبارها قابلة لإعادة التفاوض، والنظر إلى الدول المجاورة وكأنها ممتلكات يمكن الاستحواذ عليها.

كما أنها تحوّل فرص التعاون الإقليمي إلى مصادر للتوتر والصراع، وتستبدل بالدبلوماسية القائمة على القانون الدولي تصوّرات توسعية لا تنسجم مع مبادئ السيادة الوطنية واحترام الحدود المعترف بها دولياً.

إن منطقة القرن الأفريقي، بما تواجهه من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية معقّدة، لا تحتمل مزيداً من الأوهام السياسية التي من شأنها تهديد الاستقرار الإقليمي.

إن موقف إريتريا، وموقف «أنفت» (ANFET)، واضح لا لبس فيه:

البحر الأحمر ليس إرثاً إثيوبياً، ولا ورقة مساومة في يد إثيوبيا، ولا مجالاً لفرض تطلعاتها المستقبلية على حساب سيادة الدول الأخرى.

إن الساحل الإريتري جزء أصيل من السيادة الوطنية الإريترية، استُعيد عبر نضال طويل وتضحيات جسيمة، وأُكّد باستفتاء شعبي حر، وتكفله قواعد القانون الدولي ومبادئ احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها.

وأي رواية تسعى إلى تصوير الأمر على خلاف ذلك، لا يمكن اعتبارها استراتيجية سياسية مشروعة، بل تمثّل، وفقاً لموقف الافتتاحية، تهديداً مباشراً لمبدأ السيادة الوطنية ولأمن المنطقة واستقرارها.

 

إ

 

  • Related Posts

    Ethiopia’s Red Sea Ambition Is Not a Policy- It Is a Political Reflex Rooted in a Lost Past

    ANFET EDITORIAL Ethiopia’s Red Sea Ambition Is Not a Policy- It Is a Political Reflex Rooted in a Lost Past Inspired by the analysis presented in: “Why is Ethiopia Buying…

    ናይ ትማሊ ትንቢትን ናይ ሎሚ ዘይንጹርነትን፡ ገምጋም ዲስኩር ቀይሕ ባሕሪ ጃዋር መሓመድ ኣንጻር ጽኑዕ መስመር ልደቱ ኣያሌው ኣዳላዊ ኣንፈት – 3 ጥቅምቲ 2026 እቲ ብ18 ሕዳር 2025 ብጸዳል ለማ ምስ…

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *