شريان أممي باقٍ: لماذا لا تستطيع إريتريا تحمّل خسارة المقرّر الخاص

آخر شريان أممي باقٍ: لماذا لا تستطيع إريتريا تحمّل خسارة المقرّر الخاص

افتتاحية ANFET – 23 يونيو 2026

 

لأكثر من عقد من الزمن، شكّل المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إريتريا آخر شريان مؤسسي يربط ضحايا الانتهاكات الإريتريين بالنظام الدولي. فمن شيلا بي. كيثاروث إلى دانييلا كرافِتز وصولاً إلى الدكتور محمد عبد السلام بابكر، حمل كل من شغل هذا المنصب مهمة حُرم الإريتريون أنفسهم من أدائها: توثيق الانتهاكات، حفظ الأدلة، وإبقاء قضية إريتريا حيّة في ضمير العالم.

وفي الأسبوع الماضي في جنيف، خضع هذا الشريان لاختبار علني أمام المجتمع الدولي. فقد حاولت سفيرة إريتريا، صوفيا تسفاماريام، تقديم خطابها المعتاد القائم على الإنكار والمراوغة. لكن هذه المرة، لم يكتفِ مجلس حقوق الإنسان بالاستماع. بل واجهها. وطرح المندوبون أسئلة مباشرة: لماذا تستمر إريتريا في منع جميع آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة؟ أين المختفون قسرياً؟ لماذا لا توجد محاكمات، ولا شفافية، ولا إصلاحات؟

وعندما أصرت صوفيا على أنه “لا يوجد سجناء سياسيون في إريتريا”، سألها أحد المندوبين عمّا إذا كانت حكومتها مستعدة لتقديم قائمة بجميع المحتجزين. كان الصمت الذي تلا ذلك صمتاً مُحرِجاً، لا يمتّ للدبلوماسية بصلة. لقد كشفت جنيف ما يعرفه الإريتريون منذ زمن طويل: النظام عاجز عن الدفاع عن ما لا يمكن الدفاع عنه. وفي تلك اللحظة، برزت أهمية ولاية المقرّر الخاص بوضوح لا لبس فيه. فهو لا يزال الصوت الأممي الوحيد المتبقي للإريتريين.

النظام يدرك ذلك أكثر من أي طرف آخر. ولهذا يكثّف حملته لتفكيك الولاية. فهو يحرّك دبلوماسييه، ويفعّل تحالفاته، ويحاول استبدال المساءلة بالدعاية. هدفه بسيط: إسكات الشاهد. فالمقرّر الخاص هو الشاهد الدولي الوحيد المعترف به على عقود من الانتهاكات — من الخدمة الوطنية المفتوحة بلا نهاية، إلى الإخفاء القسري، إلى القمع العابر للحدود. إن إنهاء الولاية سيمنح النظام فرصة لدفن السجل وإسكات الضحايا.

ويزداد هذا الخطر خطورة بحقيقة يجب على العالم مواجهتها: الحكومة الإريترية لن تسمح أبداً بدخول المقرّر الخاص أو أي آلية أممية لحقوق الإنسان إلى البلاد. لا الآن، ولا في ظل هذا النظام، ولا في ظل منظومة قائمة على السرية والخوف واختفاء المواطنين. وإذا لم تستطع الأمم المتحدة دخول إريتريا، فعلى الولاية أن تبقى خارج إريتريا. وإذا أغلق النظام الأبواب، فعلى الشتات أن يصبح الأرشيف والشاهد والحامي لهذه الولاية.

وهنا يبرز تطوّر جديد يمنح قدراً من الأمل. فبمحض المصادفة — وربما بحكم الضرورة التاريخية — أنشأت قوى المعارضة الإريترية مؤخراً فريق الاستجابة للقمع العابر للحدود. وقد تأسس هذا الفريق لتوثيق ومواجهة الترهيب والمراقبة والمضايقات التي يمارسها النظام ضد الإريتريين في الخارج. ويأتي ظهوره في اللحظة المناسبة تماماً. إذ يمكن أن يصبح مورداً حيوياً للمقرّر الخاص: قناة منظّمة للأدلة، شريكاً موثوقاً للمؤسسات الدولية، ومنصة موحّدة لجاليات الشتات التي تكافح من أجل العدالة. وللمرة الأولى، يمتلك الشتات آلية منسّقة قادرة على دعم الولاية بمعلومات وشهادات موثّقة.

وليس هذا التهديد جديداً. ففي عام 2018، عندما دعا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى رفع العقوبات عن إريتريا — بدعم من منتدى صنعاء — تعرّضت ولاية المقرّر الخاص لضغط غير مسبوق. وقد استغل النظام تلك اللحظة لإضعاف الرقابة، لا لإجراء إصلاحات. واليوم، يندم آبي نفسه على التنازلات السياسية التي قدّمها. والدروس واضحة: كلما خفّ الضغط الدولي، ازداد الألم الإريتري عمقاً.

لقد اعتمدت المعارضة الإريترية لسنوات على مكتب المقرّر الخاص دون أن تدافع عنه بما يكفي. ويجب أن ينتهي هذا العصر. فالنظام يتحرك. وإذا بقيت المعارضة متفرّجة، ستُضعف الولاية أو تُلغى. والشعب الإريتري لا يستطيع تحمّل هذه الخسارة.

لقد حان الوقت لتحرّك دبلوماسي منسّق مع المقرّر الخاص؛ وتقديم مذكرات موحّدة من القوى السياسية والمدنية؛ والدمج الكامل لفريق الاستجابة للقمع العابر للحدود في العمل المواجه للأمم المتحدة؛ وإيصال رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن ضحايا إريتريا ما زالوا بحاجة إلى الحماية.

إن مكتب المقرّر الخاص ليس مجرد آلية أممية. إنه آخر شاهد مؤسسي باقٍ على معاناة إريتريا. وخسارته ستكون انتكاسة تاريخية — انتكاسة لن يغفرها لنا الجيل القادم.

هذه هي اللحظة التي يجب أن نتحرك فيها.

 

  • Related Posts

    The Last UN Lifeline: Why Eritrea Cannot Afford to Lose the Special Rapporteur

    The Last UN Lifeline: Why Eritrea Cannot Afford to Lose the Special Rapporteur ANFET EDITORIAL-June 23, 2026   For more than a decade, the UN Special Rapporteur on the situation…

    እቲ ናይ መወዳእታ ዝተረፈ መስመር ህይወት ሕቡራት ሃገራት፡ ስለምንታይ ኤርትራ ፍልይቲ ራፖርተር ክትስእን ዓቕሚ ዘይብላ

    እቲ ናይ መወዳእታ ዝተረፈ መስመር ህይወት ሕቡራት ሃገራት፡ ስለምንታይ ኤርትራ ፍልይቲ ራፖርተር ክትስእን ዓቕሚ ዘይብላ ኣዳላዊ ኣንፈት – 23 ሰነ 2026   ንልዕሊ ዓሰርተ ዓመት ፍልይቲ ራፖርተር ሕቡራት ሃገራት ኣብ…

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *