إعادة الاصطفاف الأمني والشرعية الدستورية: إثيوبيا عند مفترق خطير

إعادة الاصطفاف الأمني والشرعية الدستورية: إثيوبيا عند مفترق خطير

افتتاحية ANFET – 23 يوليو 2026

تقف إثيوبيا اليوم عند واحدة من أخطر لحظات تاريخها السياسي الحديث. فما بدأ عام 2018 كمرحلة انتقالية واعدة سرعان ما تحوّل إلى أزمة معقدة في الحكم والشرعية والأمن الإقليمي. ولم تعد تداعيات هذه الأزمة محصورة داخل حدود إثيوبيا؛ بل أصبحت تشكّل مستقبل القرن الأفريقي بأكمله.

لقد أثارت الإصلاحات المبكرة التي أطلقها رئيس الوزراء آبي أحمد آمالاً واسعة بانفتاح ديمقراطي. أُطلق سراح المعتقلين السياسيين، وعادت مجموعات كانت مستبعدة من المشهد، وبدت إثيوبيا وكأنها تستعد لمواجهة تناقضاتها السياسية المتراكمة. لكن خلف هذا التفاؤل كانت هناك أسئلة عميقة لم تُحسم حول الفيدرالية والهوية وتوزيع السلطة. هذه الأسئلة انفجرت في نوفمبر 2020 مع اندلاع حرب تيغراي — صراع خلّف دماراً واسعاً، ومعاناة إنسانية هائلة، واتهامات بارتكاب فظائع ترقى إلى الإبادة الجماعية.

أوقف اتفاق بريتوريا عام 2022 القتال واسع النطاق، لكنه لم يحلّ الأزمة السياسية. فما زالت إثيوبيا منقسمة حول مستقبل نظامها الفيدرالي، وشرعية الحوار الوطني، ودور إقليم تيغراي في النظام السياسي. إن أي حوار وطني يستبعد إقليماً معترفاً به دستورياً — وخاصة إقليماً شهد حرباً مدمرة — لا يمكن أن ينتج تسوية مستدامة. إن استقرار إثيوبيا مرهون بقدرتها على صياغة إطار دستوري شامل يعترف به جميع الأقاليم بوصفه شرعياً.

وتُظهر دروس التاريخ خطورة المسار الحالي. فانهيار الاتحاد الفيدرالي بين إرتريا وإثيوبيا في خمسينيات القرن الماضي يوضح أن التعديلات الأحادية على الترتيبات الدستورية تقوّض الثقة السياسية وتفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد. إن حرب التحرير الإرترية الممتدة لثلاثة عقود كانت نتيجة مباشرة لانتهاك الضمانات الفيدرالية.

اليوم تواجه إثيوبيا مخاطر مشابهة. فمحاولات إعادة تشكيل النظام الدستوري دون مشاركة واسعة تهدد بتعميق الانقسامات وإحياء أنماط الإقصاء القديمة. لا يمكن تقرير مستقبل الفيدرالية الإثيوبية عبر الهيمنة السياسية أو الضغط العسكري؛ بل عبر مؤسسات تحمي حقوق الأقاليم وتضمن تمثيلاً عادلاً.

كما أن التداعيات الإقليمية خطيرة للغاية. فقد أثارت التصريحات الإثيوبية المتكررة حول الوصول إلى البحر الأحمر قلقاً في إرتريا ودول أخرى. إن الوصول البحري مطلب اقتصادي مشروع، لكنه يجب أن يُعالج عبر الدبلوماسية لا عبر الإكراه أو إعادة تفسير التاريخ. فأي تلميح بمطالب إقليمية قد يزعزع استقرار المنطقة بأكملها.

وتزيد الحرب السودانية، والتوترات الحدودية، والخلافات مع مصر حول سد النهضة من تعقيد المشهد الأمني. فعدم الاستقرار في دولة واحدة ينتقل بسرعة إلى جيرانها عبر تدفقات اللاجئين، وانتقال السلاح، واضطراب الاقتصاد، وتبدّل التحالفات. القرن الأفريقي لا يحتمل دورة جديدة من المواجهة تُغذّيها الطموحات الأحادية.

ويظل إقليم تيغراي لاعباً مركزياً في مستقبل إثيوبيا. فدوره التاريخي، وخبرته العسكرية، وموقعه الجغرافي يجعلونه عنصراً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية وطنية. إن استبعاد تيغراي أو تأجيل العدالة بشأن الفظائع المرتكبة خلال الحرب سيطيل أمد عدم الاستقرار. العدالة الانتقالية — المستقلة والشفافة — ضرورة لا يمكن تجاهلها.

إن مستقبل إثيوبيا يعتمد الآن على قدرتها على كسر دورة تاريخية قاتلة: النصر، الإقصاء، الغضب، ثم الصراع من جديد. يجب أن تقوم التسوية السياسية المقبلة على الاعتراف بمساهمات جميع المكوّنات ومعالجة مظالمها، لا على استبدال هيمنة بأخرى.

ويتطلب الطريق إلى الأمام حواراً وطنياً شاملاً، وضمانات دستورية لحقوق الأقاليم، وإصلاحاً مهنياً لقطاع الأمن، وبرامج إعادة إعمار تركز على المناطق المتضررة من الحرب. يجب أن تبني إثيوبيا مؤسسات قادرة على إدارة التنوع دون اللجوء إلى القوة.

لقد شهد القرن الأفريقي العديد من التحولات السياسية التي وعدت بالاستقرار لكنها انتهت بالتفكك. إن مفترق الطرق الذي تقف عنده إثيوبيا اليوم ليس مجرد أزمة داخلية — بل هو نقطة تحول إقليمية. فالخيارات التي تُتخذ الآن ستحدد ما إذا كان الإقليم سيتجه نحو التعاون والنظام الدستوري، أم نحو مواجهة جديدة وعدم استقرار جيوسياسي.

إن الرهانات كبيرة للغاية. مستقبل إثيوبيا — ومستقبل القرن الأفريقي — يعتمد على استبدال الأحادية بالتفاوض، والإقصاء بالمشاركة، والمواجهة بالشرعية الدستورية.

 

  • Related Posts

    ዳግመ ኣሰላልፋ ጸጥታን ሕገ መንግስታዊ ሕጋውነትን፡ ኢትዮጵያ ኣብ ሓደገኛ መስቀላዊ መንገዲ

    ዳግመ ኣሰላልፋ ጸጥታን ሕገ መንግስታዊ ሕጋውነትን፡ ኢትዮጵያ ኣብ ሓደገኛ መስቀላዊ መንገዲ ርእሰ ዓንቀጽ ኣንፈት-ሓምለ 23, 2026 ኢትዮጵያ ሎሚ ኣብ ዘመናዊ ፖለቲካዊ ታሪኻ ኣብ ሓደገኛ ህሞት ትርከብ። እቲ ኣብ 2018 ከም…

    Security Realignment and Constitutional Legitimacy: Ethiopia at a Dangerous Crossroads ANFET Editorial – July 23, 2026 Ethiopia stands today at one of the most precarious moments in its modern history.…

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *