رأي التغيير في إريتريا وحدود الرهان على إثيوبيا

رأي

التغيير في إريتريا وحدود الرهان على إثيوبيا

1 أكتوبر, 2026

الصورة

صابر رباط

لا تستطيع قوى التغيير الإريترية تجاهل ما يجري في إثيوبيا. فالصراعات والتحالفات لدى الجار الأكبر قد تنعكس على أمن إريتريا واستقرارها، وتؤثر في فرص التغيير داخلها. ومن هنا، يصبح التواصل مع القوى الإثيوبية جزءًا من العمل السياسي المحكوم بالمصالح وبضروات الجغرافيا.

لكن أهمية إثيوبيا لا تعني تعليق مستقبل التغيير في إريتريا على من يحكم أديس أبابا، أو من ينتصر في تيغراي أو أمهرا أو أوروميا. فالمشكلة ليست في إقامة علاقات مع القوى الإثيوبية، بل في طبيعة هذه العلاقات وحدودها. من يحدد أهدافها وأولوياتها؟ ومن يملك قرار الاستمرار فيها أو إنهائها؟

وهنا يكمن الفارق بين التعاون السياسي والارتهان للخارج. فقد تتعامل قوى إريترية مع طرف إثيوبي لتحقيق مصالح مشتركة، مع احتفاظ كل طرف بمشروعه وقراره المستقل. أما خيار الرهان على أن انتصار ذلك الطرف سيحلّ الأزمة الإريترية، فإنها تربط مستقبلها بحسابات لا تتحكم فيها، ويتحوّل الدعم الخارجي من عامل مساعد إلى شرط يتوقف عليه نجاح مشروع التغيير.

والتاريخ القريب حافل بما يوضح مخاطر هذا الرهان. فقد تبدّلت التحالفات في إثيوبيا والمنطقة مرارًا عديدة؛ أصبح بعض الخصوم حلفاء، ووجد بعض الحلفاء أنفسهم لاحقًا في معسكرات متقابلة. وتقدّم العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا مثالًا واضحًا: إذ انتقلت، خلال سنوات قليلة، من عداوة طويلة إلى مصالحة وتعاون عسكري، ثم عادت إلى التوتر المتزايد. وهي تحولات تذكّر بأن التحالف الذي يخدم مشروعًا وطنيًا اليوم قد تتغيّر مصالح أطرافه غدًا، فلا يصح أن يصبح بقاؤه شرطًا لاستمرار ذلك المشروع.

تبدّل التحالفات أمر مألوف في السياسة. تبدأ المشكلة حين تبني قوى إريترية استراتيجيتها على افتراض أن تحالفًا إقليميًا مؤقتًا سيبقى ثابتًا، أو أن انتصار طرف إثيوبي بعينه سيقود حتمًا إلى التغيير في إريتريا. فتغيّر الحكم في أديس أبابا لا يجعل التغيير في أسمرا مستحيلًا، كما أن بقاء الحكومة الإثيوبية الحالية لا يجعله مضمونًا. وقد تفتح التحولات في إثيوبيا فرصًا جديدة أو تفرض مخاطر إضافية، لكنها لا تعفي القوى الإريترية من مسؤولية بناء مشروعها والعمل على تحقيقه.

ويُقاس استقلال هذه القوى بقدرتها على مخالفة حليفها حين تتعارض مواقفه مع مصالح بلادها، وعلى مواصلة عملها إذا تبدّلت الحكومة أو موازين القوى في إثيوبيا. فالاستفادة من ظرف إقليمي مواتٍ تختلف عن انتظار أن يصنع الآخرون التغيير. وعندما تتعارض حسابات الحليف مع سيادة إريتريا ووحدة أراضيها واستقلال قرارها، ينبغي أن تكون الأولوية واضحة، مهما كانت أهمية العلاقة معه.

ولا يملك النظام الإريتري حق احتكار الحديث عن السيادة أو توظيفها لإسكات معارضيه. فمعارضة حكم أسياس أفورقي لا تعني التنازل عن استقلال القرار الوطني، والدفاع عن هذا الاستقلال لا يعني الدفاع عن نظامه. تستطيع قوى التغيير أن تتحاور مع مختلف القوى الإثيوبية وتتعاون معها، من دون أن تمنح أيًا منها حق تقرير مستقبل إريتريا. وعليها، في المقابل، أن تحترم للآخرين الاستقلال نفسه الذي تطالب به لنفسها.

لهذا، لا يكفي النظر إلى حجم الانخراط في الشأن الإثيوبي للحكم على طبيعة العلاقة. فقد تكون الاتصالات واسعة ويبقى القرار مستقلًا، وقد تكون محدودة فيما يكون الاعتماد على الطرف الآخر عميقًا. يظهر الارتهان حين تبدأ حسابات أديس أبابا أو مقلي أو بحر دار، أو أي مركز قوة آخر، في تحديد حلفاء القوى الإريترية وخصومها، وتوقيت تحركها وصمتها، وترتيب أولوياتها. عندها، يصبح استقلال المشروع الإريتري نفسه موضع شك.

لكن التحذير من هذا الخطر يحتاج إلى سياسة عملية تتجاوزه. والمطلوب أن تضع قوى التغيير تصورًا واضحًا لعلاقاتها بالدولة الإثيوبية ومؤسساتها وقواها السياسية والمجتمعية، يحدد ما تريده من هذه العلاقات وما تستطيع تقديمه، ومجالات التعاون وحدوده. وينبغي أن تنطلق هذه السياسة من المصالح الإريترية، بعيدًا عن الاصطفاف في الصراعات الداخلية الإثيوبية أو ربط مشروع التغيير بمصير حكومة أو إقليم أو تيار بعينه.

وتقوم هذه العلاقات على احترام السيادة ووحدة الأراضي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. أما تطبيق هذه المبادئ فيقتضي إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، والتعاون حين تتقاطع المصالح، وإدارة الخلاف حين تتباعد. فالاختلاف مع طرف إثيوبي لا يستلزم القطيعة معه، مثلما لا يقتضي التعاون تأييد جميع مواقفه أو الانحياز إلى معاركه.

وفي خضم متابعة التطورات الإثيوبية، ينبغي ألّا تتراجع المهمة الأساسية لقوى التغيير الإريترية: الإعداد لتحول ديمقراطي في بلادها. وهذا يتطلب بناء مؤسسات سياسية ومدنية قادرة على العمل، وصياغة رؤية مشتركة للمرحلة الانتقالية، وتقديم برنامج واضح للاقتصاد والتعليم والصحة والمياه والعدالة. فهذه الملفات تمسّ حياة الإريتريين ومستقبلهم، ولا تقلّ أهمية عن معرفة من يتقدم في الجبهات الإثيوبية ومن يتراجع.

ويشمل هذا الاستعداد تحديد كيفية التعامل مع مؤسسات الدولة والجيش، والحفاظ على استمرارية الخدمات، ومنع سقوط النظام، إن حدث، من أن يجرّ الدولة إلى الانهيار. فنجاح التغيير لا يتوقف على إزاحة السلطة القائمة وحدها، بل على قدرة القوى التي تطالب به على إدارة المرحلة التالية، وترسيخ الاستقرار، وبناء حكم يخضع للمساءلة والقانون.

وكلما امتلكت القوى الإريترية مؤسسات متماسكة وبرنامجًا مشتركًا، ازدادت قدرتها على الاستفادة من علاقاتها الخارجية والتفاوض بشأن مصالحها. أما غياب هذا العمل، فيتركها أكثر اعتمادًا على تحولات لا تتحكم فيها، ويغريها بالبحث لدى الحلفاء عن حلول لمشكلات لم تحسمها داخل صفوفها.

فالغاية من التغيير أن يستعيد الإريتريون حقهم في تقرير شؤونهم، لا أن يستبدلوا سلطة بأخرى أو ينقلوا قرارهم من يد إلى يد. والتغيير الذي يستحق تضحياتهم هو الذي يؤسس لدولة ديمقراطية عادلة، تصون استقلالها وتنوّع مجتمعها، وتضمن لجميع أبنائها حقوقًا متساوية، بلا إقصاء أو تمييز.

وسوم

إثيوبياإريترياصر

اع سياسيصراع جيوسياسي

 

 

  • Related Posts

    ለውጢ ኣብ ኤርትራን ደረታት ፖለቲካዊ ምውካል ኣብ ኢትዮጵያን

    ለውጢ ኣብ ኤርትራን ደረታት ፖለቲካዊ ምውካል ኣብ ኢትዮጵያን ብሳብር ሩባጥ/ኣቡ ፈይሰል/ጊስካ 1 ጥቅምቲ 2026 ኤርትራውያን ሓይልታት ንለውጢ ኣብ ኢትዮጵያ ዝፍጸም ዘሎ ብሸለልትነት ክርእይዎ ኣይክእሉን እዮም። ኣብ ውሽጢ ዓባይ ጎረቤታ ዝፍጠር…

    Change in Eritrea and the Limits of Betting on Ethiopia

    Change in Eritrea and the Limits of Betting on Ethiopia Opinion- By Saber Rubat- October 1, 2026   Eritrean forces for change cannot ignore what is happening in Ethiopia. The…

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *