استشرافيٌّ آنذاك، ملتبسٌ اليوم: إعادة قراءة خطاب جوهر محمد حول البحر الأحمر في ضوء ثبات موقف ليدتو أيالو
افتتاحية ANFET – 3 أكتوبر 2026
تظل المقابلة التي أجرتها تسدالي لمّا مع جوهر محمد في 18 نوفمبر 2025 واحدةً من أكثر الحوارات أهمية من الناحية التحليلية في سياق الخطاب الإثيوبي المتصاعد بشأن البحر الأحمر. وبالنظر إلى ما اتسمت به تلك المقابلة من وضوح واستشراف، تعود ANFET إليها اليوم، في وقت تصاعد فيه الخطاب السياسي الإثيوبي وأصبحت البيئة الإقليمية أكثر هشاشة.
أولاً: إعادة قراءة موقف جوهر في 2025: تحذير يستند إلى فهمٍ لسيكولوجية السياسة
طرح جوهر في تلك المقابلة إطاراً تحليلياً اتسم بالصرامة الفكرية والجرأة السياسية. فقد حذّر من أن خطاب آبي أحمد بشأن «الوصول السيادي» إلى البحر الأحمر ليس مجرد موقف دبلوماسي، بل هو سردية خطرة يمكن أن تُستخدم في تعبئة الرأي العام ودفعه باتجاه الصراع.
واستند تحليله إلى ثلاث ركائز أساسية: استراتيجية توظيف قوميتين في آنٍ واحد؛ القومية الإثيوبية عبر التلفزيون الرسمي الإثيوبي (EBC)، والقومية الإثنية عبر شبكة أوروميا الإعلامية (OMN)؛ والوهم التضخمي الناجم عن السياسات الاقتصادية المدفوعة ببرامج صندوق النقد الدولي؛ فضلاً عن عجز القيادة الحالية سياسياً عن إدارة أزمة بهذا الحجم.
وكان استنتاج جوهر حاسماً:
«الكلمات يمكن أن تصنع الحروب».
ولم يكن ذلك من قبيل المبالغة، بل كان تقييماً رصيناً للكيفية التي يمكن بها للخطاب والتكرار والرسائل التي تدفع بها الدولة أن تولّد زخماً يقود إلى نتائج يصعب التراجع عنها.
ثانياً: خط ليدتو أيالو الثابت: اتساق في خضم التصعيد
إذا كان موقف جوهر في عام 2025 قد بدا استشرافياً، فإن موقف ليدتو أيالو، الذي عبّر عنه حتى قبل ذلك، ظل ثابتاً بصورة لافتة.
فقد حذّر ليدتو من أن الخطاب الإثيوبي بشأن البحر الأحمر يفتقر إلى الأساس البنيوي السليم، وينطوي على مجازفة استراتيجية، ولا يمكن تبريره اقتصادياً.
ورأى أن الانقسامات الداخلية في إثيوبيا، وأوجه القصور في الحكم، وعدم الاستقرار المالي، تجعل أي طموح عسكري خارجي ليس غير واقعي فحسب، بل مدمراً للذات أيضاً.
ويبرز ثبات موقفه بوضوح في مقابل التحولات التي نشهدها اليوم.
ثالثاً: غموض جوهر الحالي: تراجع ملحوظ في حدّة الخطاب
خلال الأشهر الأخيرة، أصبحت نبرة جوهر بشأن قضية البحر الأحمر أكثر حذراً. فهو لم يتراجع صراحةً عن تحذيراته السابقة، لكنه خفف من حدة الوضوح الذي كان يواجه به سردية الحكومة.
ويثير هذا التحول أسئلة مشروعة:
هل يعيد جوهر ضبط موقفه استجابةً للضغوط السياسية داخل القاعدة الأورومية؟
هل يتفاعل مع الديناميات المتغيرة داخل مشهد المعارضة الإثيوبية المنقسم؟
أم أنه يسعى إلى تجنب وضعه في خانة «المناهض للقومية» في وقت أصبحت فيه المشاعر العامة شديدة التقلب؟
هذه التساؤلات لا تنتقص من إسهامات جوهر، وإنما تسلط الضوء على أهمية الاتساق في المواقف عندما يقترب الخطاب الوطني من حدود العسكرة.
رابعاً: مسألة المشروعية في القانون الدولي: أهم تحذيرات جوهر
من أهم ما ورد في مقابلة جوهر محمد عام 2025، وما ينبغي التأكيد عليه اليوم، عرضه الواضح للإطار القانوني الدولي المنظم لمسألة الوصول إلى البحر الأحمر.
فقد أكد جوهر بصورة لا لبس فيها أن إثيوبيا لا تمتلك، بموجب القانون الدولي، أي أساس قانوني للمطالبة بـ«وصول سيادي» إلى البحر الأحمر عبر الأراضي الإريترية.
واستندت حجته إلى المبادئ الراسخة المتعلقة بالسيادة، والسلامة الإقليمية، وقانون البحار.
وأوضح أن المظالم التاريخية لا تُنشئ مطالبات قانونية؛ وأن الحرمان الجغرافي لا يولّد حقاً سيادياً؛ وأن حجم السكان والضغوط الاقتصادية لا يتقدمان على مبدأ السيادة؛ وأنه لا توجد اتفاقية دولية تمنح الدول غير الساحلية حق انتزاع منفذ إلى البحر بالقوة.
فاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لا تمنح الدول غير الساحلية حق الحصول على منفذ إلى الموانئ بالقوة. كما تؤكد مبادئ الاتحاد الأفريقي على احترام السلامة الإقليمية بوصفها مبدأً أساسياً، ويحظر ميثاق الأمم المتحدة التهديد باستخدام القوة أو استخدامها من أجل الاستيلاء على أراضي الغير.
أما وصول إثيوبيا التاريخي إلى البحر عبر إريتريا فقد انتهى مع استقلال إريتريا المعترف به دولياً عام 1993.
وخلاصة ما ذهب إليه جوهر هي أن سردية آبي أحمد سياسية وليست قانونية، وهو ما يجعلها خطرة بطبيعتها.
خامساً: مشكلة «الخطاب الذي يُترك على نار هادئة»: كيف يصنع التكرار مشروعية متوهَّمة
حذّر جوهر من أنه عندما يكرر زعيم ما ادعاءً يفتقر إلى الأساس القانوني لفترة كافية، فقد يبدأ ذلك الادعاء في الظهور أمام الجمهور وكأنه مشروع.
وهنا يكمن جوهر عبارته: «الكلمات يمكن أن تصنع الحروب».
فالتكرار يولّد شعوراً بوجود استحقاق؛ والاستحقاق يولّد توقعات شعبية؛ والتوقعات تخلق ضغطاً من أجل التحرك؛ والضغط يقود إلى التصعيد؛ والتصعيد يقود إلى الصراع.
وقد شهدت إثيوبيا، على امتداد العام الماضي، هذا النمط تحديداً: تصعيداً بطيئاً ومدروساً للخطاب، أدى تدريجياً إلى تطبيع فكرة «الوصول بالقوة» داخل النقاش العام.
سادساً: ثبات ليدتو كعامل موازن للغموض
ظل ليدتو أيالو ثابتاً في هذه المسألة أيضاً.
فقد أكد مراراً أن الخطاب الإثيوبي بشأن البحر الأحمر لا يستند إلى أساس قانوني؛ وأن أي محاولة للحصول على منفذ باستخدام القوة ستكون غير قانونية وكارثية؛ وأن سردية الحكومة ليست سياسة استراتيجية بقدر ما هي أداة لصرف الأنظار سياسياً.
وفي وقت تزداد فيه الرسائل السياسية الموجهة إلى الجمهور تقلباً وتصعيداً، يوفر ثبات موقف ليدتو ثقلاً موازناً ومهماً.
سابعاً: دور الصحافة: إسهام تسدالي لمّا
لن تكتمل هذه الافتتاحية من دون الإشارة إلى الدور الذي اضطلعت به تسدالي لمّا، إذ جعلت أسئلتها الدقيقة والثاقبة من مقابلة عام 2025 محطة بارزة في الإعلام الإثيوبي.
فقد أتاحت قدرتها على الاستقصاء والتحدي وطلب التوضيح دفع جوهر إلى صياغة مواقف بوضوح لا يزال يحتفظ بأهميته حتى اليوم.
واجهت المبررات الاقتصادية بصورة مباشرة، وناقشت القوة التعبوية للقومية، وضغطت على جوهر لتوضيح مخاطر تحوّل الخطاب السياسي إلى واقع فعلي.
ويجسد عملها الدور الحاسم الذي يمكن أن تضطلع به الصحافة في حماية النقاش الديمقراطي، ولا سيما عندما تصبح السرديات السياسية مهددة بالتحول إلى أدوات للتعبئة.
ثامناً: الخلاصة: دعوة إلى الوضوح في زمنٍ يسوده عدم اليقين
بينما تمر إثيوبيا بمرحلة تتسم بتصاعد الخطاب السياسي وارتفاع منسوب التوتر الإقليمي، يصبح الوضوح من جانب المثقفين والشخصيات العامة أمراً بالغ الأهمية.
ولا يزال تحذير جوهر محمد في عام 2025 يمثل واحداً من أهم التحليلات التي تناولت السردية الإثيوبية بشأن البحر الأحمر، فيما يوفر ثبات موقف ليدتو أيالو نقطة مقابلة تمنح النقاش قدراً من الاتزان.
أما التباعد الذي يظهر اليوم بين موقفي الرجلين، فليس مسألة ثرثرة سياسية أو خلافاً عابراً، بل قضية تنطوي على تداعيات وطنية بالغة الأهمية.
ومن هذا المنطلق، تدعو هذه الافتتاحية الفاعلين السياسيين في إثيوبيا، والمؤسسات الإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، إلى مقاومة الانجراف نحو جاذبية الخطاب العسكري، والتمسك بمبادئ التحليل الرصين، والقيادة المسؤولة، والسلام الإقليمي.



