سيادة إريتريا ليست سوء فهم: ردّ على السردية التحريفية لداويت تفري على شاشة التلفزيون الإثيوبي
المقابلة المشار إليها:
https://youtu.be/mn9EJIhxwiM?is=_1dnJDzfCwPXCa8A
11 أغسطس 2026 افتتاحية ANFET
هناك مقابلات تكشف الارتباك، وهناك مقابلات تكشف النوايا. ظهور داويت تفري الأخير على شاشة التلفزيون الإثيوبي ينتمي إلى الفئة الثانية. لم يكن مجرد حوار إعلامي عابر، بل محاولة واضحة لإعادة كتابة تاريخ إريتريا، وتخفيف هويتها الوطنية، وتصوير نضالها التحرري كخطأ تاريخي ناتج عن “سوء فهم” أو “معلومات مضللة”. إنه خطاب يسعى إلى إعادة دمج إريتريا في إطار “الهوية الحبشية” أو “الأبيسينية”، وهي هوية استخدمت تاريخياً كغطاء سياسي للتوسع الإثيوبي.
في هذه المقابلة، لا يكتفي داويت تفري بالتشكيك في سيادة إريتريا، بل يشكك في شرعية الثورة الإريترية نفسها. يتحدث وكأن نضال الثلاثين عاماً كان انفصالاً عاطفياً عن “وحدة ثقافية”، لا نتيجة للضمّ القسري، والاحتلال، وإلغاء الفيدرالية، وتدمير المؤسسات الإريترية، وقمع اللغات، وإعدام القيادات، وحرق القرى، ومحاولة محو إريتريا ككيان سياسي مستقل.
هذا ليس تحليلاً. هذا تحريف للتاريخ.
لم تنشأ الثورة الإريترية من “سوء فهم”. نشأت من الضمّ القسري. نشأت من إلغاء الفيدرالية التي أقرّتها الأمم المتحدة. نشأت من تفكيك البرلمان الإريتري، ومنع اللغة العربية والتغرينية في المؤسسات، وفرض الهوية الإثيوبية بالقوة. نشأت من السجون، والمشانق، والمجازر، ومن عقود من المقاومة المسلحة التي لم تكن خياراً ثقافياً، بل ضرورة وجودية.
إن وصف هذا التاريخ بأنه “معلومات مضللة” هو إنكار لتجربة شعب كامل. هو محو لدماء الشهداء. هو تقليل من تضحيات عشرات الآلاف الذين لم يقاتلوا من أجل الانفصال الثقافي، بل من أجل البقاء السياسي.

أما المحاور، فقد كان خطابه أكثر وضوحاً في نواياه. قدّم إريتريا كجزء ثقافي من “الكلّ الحبشي”، لا كدولة ذات سيادة. تحدّث عن “الهوية المشتركة” و”الأصل الواحد” و”الدم الواحد”، وكأن السيادة الوطنية مجرد سوء فهم عاطفي، لا حقيقة قانونية وتاريخية وسياسية. تحدّث وكأن استقلال إريتريا كان انحرافاً يجب تصحيحه عبر “فلسفة” أو “مصالحة ثقافية” أو “إعادة تعريف إقليمي”.
هذا ليس إعلاماً. هذا خطاب سياسي موجّه.
إنه الخطاب نفسه الذي ظهر عام 2018 خلال فترة “شهر العسل السياسي”، حين مُنح رئيس الوزراء آبي أحمد وصولاً غير مسبوق إلى المدن والموانئ الإريترية، وحين تمّ تقديم “مدمر” — وهو شعار إثيوبي داخلي — كفلسفة إقليمية. إنه الخطاب الذي تعامل مع إريتريا لا كدولة مستقلة، بل كامتداد للخيال السياسي الإثيوبي.
داويت تفري تبنّى هذا الخطاب بالكامل. تحدّث عن
“الوحدة الحبشية” وكأنها قدر سياسي. تحدّث عن الثورة الإريترية وكأنها “خطأ تاريخي”. تحدّث عن الاستقلال وكأنه “حادثة عاطفية”. وبهذا، أكّد الخطر الذي حذّرنا منه مراراً: معارضون إريتريون يتبنّون الأطر الفكرية الإثيوبية، ويطبّعون السرديات الإقليمية، ويقوّضون السيادة الإريترية تحت غطاء “الفلسفة” أو “الهوية المشتركة”.
لكن الحقيقة واضحة.
استقلال إريتريا لم يكن انحرافاً ثقافياً. كان حقيقة سياسية. حقيقة قانونية. حقيقة تاريخية. كان نتيجة مسار طويل بدأ بالاستعمار الإيطالي، ثم الإدارة البريطانية، ثم الفيدرالية، ثم الضمّ، ثم الثورة. كان نتيجة قرارات واعية اتخذها الإريتريون الذين رفضوا أن يُمحوا أو يُدمجوا أو يُعاد تعريفهم. كان نتيجة ثورة لم تكن عاطفية ولا مضللة، بل منظمة واستراتيجية وضرورية.
إريتريا ليست جزءاً ثقافياً من كيان أكبر. إريتريا دولة.
سيادتها ليست سوء فهم. ثورتها ليست خطأ. استقلالها ليس قابلاً للمراجعة.
وأي إريتري يتحدث بغير ذلك لا يدافع عن الوطن. إنه يضعفه.
ستواصل هيئة تحرير ANFET مواجهة كل سردية تسعى إلى تخفيف هوية إريتريا أو إعادة كتابة تاريخها أو تقويض سيادتها. مقابلة داويت تفري ليست مجرد خطأ فكري. إنها إنذار سياسي. إنها تذكير بأن معركة الكرامة الإريترية لم تنتهِ بالاستقلال — وأن الدفاع عن السيادة يتطلب وضوحاً ويقظة والتزاماً لا يتزعزع.
الثورة الإريترية كانت مبرّرة. الاستقلال الإريتري كان مستحقاً. السيادة الإريترية مطلقة.
ولا مقابلة — مهما كانت مصاغة أو مموّهة أو فلسفية — ستغيّر هذه الحقيقة.


