خيانة مضاعفة: كيف رُفعت العقوبات لأسباب خاطئة — وكيف دفع شعبا إريتريا وإثيوبيا الثمن

خيانة مضاعفة: كيف رُفعت العقوبات لأسباب خاطئة — وكيف دفع شعبا إريتريا وإثيوبيا الثمن

افتتاحية ANFET – سبتمبر 2026

عندما تُرفع العقوبات، يتوقع العالم قصة إصلاح ومحاسبة وبداية جديدة. لكن في القرن الأفريقي، تحوّل رفع العقوبات عن إريتريا — أولاً في 2016 و2018، ثم اليوم — إلى سجل طويل من سوء التقدير السياسي. إنه سجل تُظهر فيه القوى الكبرى استعداداً لتخفيف الضغط عن الحكومات، بينما تزيده على الشعوب التي تعيش تحت تلك الحكومات. إنه سجل لشعبين — الإريتري والإثيوبي — دفعا مراراً ثمن قرارات اتُّخذت بعيداً عن واقع حياتهما اليومية.

بدأت القصة الأولى عام 2018، خلال التقارب الذي احتُفي به بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي. صفق العالم للمشاهد: زعماء يتعانقون، حدود تُفتح، أعلام تُرفع. لكن خلف هذه المشاهد كانت هناك معادلة سياسية لا علاقة لها بالسلام، بل بالحرب. لم تُرفع العقوبات لأن إريتريا أصلحت أو حررت أو فتحت مؤسساتها، بل لأن آبي وأسياس وجدا مصلحة مشتركة في عزل ومعاقبة جبهة تحرير شعب تيغراي — القوة السياسية والعسكرية الوحيدة القادرة على مقاومة طموحاتهما المشتركة.

لم يكن “اتفاق السلام” اتفاقاً بين دولتين، بل كان تفاهمًا بين رجلين. لم يكن معاهدة مؤسسية، بل كان صفقة سياسية. ولم يكن يهدف إلى استقرار المنطقة، بل إلى تهيئتها لحرب قادمة. لم يُرسَم الخط الحدودي. لم تُنفَّذ آليات اتفاق الجزائر. بقي قرار مفوضية الحدود الإثيوبية-الإريترية معلّقاً. وبدلاً من الترسيم، شهد العالم عسكرة. وبدلاً من المصالحة، شهد تنسيقاً عسكرياً. أصبح رفع العقوبات أداة — ليس للسلام، بل لتدمير تيغراي.

أما القصة الثانية فجاءت من واشنطن. ففي عام 2016، رفعت الولايات المتحدة العقوبات عن إريتريا على أمل أن تغيّر أسمرة سلوكها الإقليمي. لكن ذلك لم يحدث. لم تُطبَّق الدستور. لم تُفتح الساحة السياسية. لم تُصلَح الخدمة الوطنية. لم تُخفَّف القبضة الأمنية. لم تُفتح الممرات الإنسانية. رُفعت العقوبات، ولم يتغير شيء.

واليوم، في 2024–2026، تخفف الولايات المتحدة الضغط مرة أخرى — ولكن لأسباب أبعد ما تكون عن واقع الشعب الإريتري. تواجه واشنطن تعثراً استراتيجياً في صراعها مع إيران، وتتعرض لضغوط من حلفاء إقليميين، وتبحث عن مرونة أكبر في البحر الأحمر. وفي لحظة القلق الجيوسياسي هذه، أصبحت إريتريا مرة أخرى شريكاً مناسباً — ليس لأنها أصلحت أو تحولت، بل لأن الولايات المتحدة تحتاج إلى تخفيف الضغط عن موقعها العسكري واللوجستي.

أما الشعب الإريتري، فيقف اليوم على حافة نقص غذائي حاد ومجاعة محتملة. الخدمات العامة منهارة. الوصول الإنساني محدود. والاقتصاد الوطني — المخنوق أصلاً بالعسكرة والاحتكار — تلقّى ضربة جديدة قبل ثلاثة أشهر فقط، عندما فرض النظام تغييراً مفاجئاً للعملة. أُجبر المواطنون على تسليم مدخراتهم تحت الخوف والجهل، فخسروا ملايين بين ليلة وضحاها. عائلات ادّخرت لسنوات وجدت نفسها بلا شيء. لم يكن هناك تفسير اقتصادي، ولا خطة نقدية، ولا إدارة مالية. البنك المركزي الإريتري لم يعد بنكاً مركزياً؛ أصبح مجرد إدارة لتحويلات المغتربين، بينما تُترك البلاد بلا سياسة نقدية، بلا إدارة للتضخم، وبلا شفافية مالية. لقد تحوّل النظام إلى جهاز لامتصاص العملة الصعبة من الخارج وتجفيف جيوب المواطنين في الداخل.

هذا الانهيار الاقتصادي ليس حادثاً عابراً؛ إنه جزء من بنية الحكم. وفي لحظات التعاون بين النظامين الإريتري والإثيوبي، كثيراً ما انعكست السياسات الأكثر تدميراً من أسمرة إلى أديس أبابا. عندما أراد آبي أحمد إحكام قبضته، استنسخ — بل نسخ حرفياً — سياسات إريتريا: إغلاق الجامعات، توسيع الخدمة الوطنية، إلغاء مجانية التعليم العالي، وتحويل خريجي الثانوية إلى جنود دائمين. في إريتريا، هذه السياسات قائمة منذ عقود — شباب يُساقون إلى خدمة لا نهاية لها، بلا رواتب، بلا حقوق، بلا مستقبل. وفي إثيوبيا، كان التقليد سريعاً وقاسياً. المكاسب لم تكن للشعب، بل للحكام.

في كلا البلدين، أصبح الشباب عملة سياسية. أصبحت الجامعة امتيازاً. أصبح الجيش سوق عمل قسري. وأصبحت الدولة جهازاً للاستخلاص لا للتقديم. هذه السياسات، إلى جانب رفع العقوبات دون إصلاح، صنعت عاصفة كاملة: حكومات خُفِّف عنها الضغط الخارجي، واقتصادات جُرّدت من القدرة، وشعوب تُركت بلا حماية.

والنتائج واضحة اليوم في كل المنطقة. الحرب الشمالية، إحدى أكثر الحروب تدميراً في تاريخ أفريقيا الحديث، كانت ممكنة بفضل تقارب 2018. الأزمة الإنسانية في إريتريا تتفاقم بسبب غياب الضغط الدولي. البحر الأحمر يزداد عسكرة. المؤسسات الإقليمية ضعيفة. والناس — في أسمرة ومصوع ومكلي وأديس أبابا والبلدات الحدودية — ما زالوا يدفعون ثمن قرارات اتُّخذت في عواصم بعيدة عنهم.

سيسجل التاريخ هذه الحلقات ليس كاختراقات دبلوماسية، بل كفرص ضائعة. كان يمكن لرفع العقوبات أن يُستخدم لفرض ترسيم الحدود، والحكم الدستوري، والديمقراطية، والشفافية الاقتصادية، والوصول الإنساني، وعدم التدخل الإقليمي. كان يمكن أن يُستخدم لاستقرار القرن الأفريقي. كان يمكن أن يُستخدم لحماية شعبي إريتريا وإثيوبيا.

لكن العقوبات رُفعت لأسباب خاطئة — مرتين. ومرتين، تُرك الشعبان ليتحملا العواقب.

موقف ANFET واضح: يجب أن تخدم العقوبات الشعوب لا المصالح الجيوسياسية. يجب أن ترتبط بالإصلاح لا بالعلاقات. يجب أن تكون أداة للمساءلة لا وسيلة للارتجال السياسي. فالقرن الأفريقي لا يحتمل خطأً ثالثاً. لقد كان الثمن باهظاً بما يكفي.

إذا رغبت، يمكنني إعداد:

  • نسخة تغرينية
  • نسخة مختصرة للنشر الإعلامي
  • نسخة رسمية بصياغة بيان صادر عن ANFET

أخبرني بما تريد أن ننجزه تالياً.

 

  • Related Posts

    Twice Betrayed: How Sanctions Were Lifted for the Wrong Reasons-And How Eritrea and Ethiopia Paid the Price

    Twice Betrayed: How Sanctions Were Lifted for the Wrong Reasons-And How Eritrea and Ethiopia Paid the Price ANFET Editorial – September 20, 2026 When sanctions are lifted, the world expects…

    ድርብ ጥልመት፡ ብግጉይ ምኽንያት እገዳ ብኸመይ ተላዒሉ- ከምኡ’ውን ህዝቢ ኤርትራን ኢትዮጵያን ዋጋኡ ብኸመይ ከፊሉ።

    ድርብ ጥልመት፡ ብግጉይ ምኽንያት እገዳ ብኸመይ ተላዒሉ- ከምኡ’ውን ህዝቢ ኤርትራን ኢትዮጵያን ዋጋኡ ብኸመይ ከፊሉ። ርእሰ-ዓንቀጽ ኣንፈት– መስከረም 20, 2026 እገዳ ምስ ዝለዓል፡ ዓለም ናይ ጽገናን ተሓታትነትን ሓድሽ ጅማሮን ዛንታ ትጽበ።…

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *