قراءة في المؤتمر الثالث للمؤتمر الوطني لعفر إريتريا: القضية الأصيلة، الأخطاء الاستراتيجية والحلول غير القابلة للتطبيق
تقرير هيئة تحرير ANFET 5 يوليو 2026
شاركتُ في المؤتمر الوطني لعفر إريتريا في أوتاوا – كندا قبل أربع سنوات تضامنًا مع القضية العفرية الإريترية الساعية إلى الديمقراطية والمساواة والعدالة، وإلى حقّ الحكم الذاتي كجزء لا يتجزأ من سيادة الدولة الإريترية. ومنذ ذلك الوقت، أعادت الحرب بين إقليم تيغراي والدول المجاورة، إضافة إلى العامل الإماراتي، تشكيل المشهد السياسي؛ إذ وقف تنظيم EANC وسبع منظمات إريترية أخرى في صفّ التضامن مع شعب تيغراي. في تلك المرحلة، كنا منخرطين بعمق في القضية إلى جانب تلك المنظمات، وسط حالة كبيرة من الالتباس حول المواقف السياسية.
ولمعالجة هذا الالتباس، دعا منتدى الحوار الوطني الإريتري السفير برهاني غبره-كريستوس، ممثل إدارة إقليم تيغراي، لتوضيح موقف جبهة تحرير شعب تيغراي من سيادة إريتريا. وقد قدّم السفير توضيحًا يؤكد الاعتراف بإريتريا كدولة ذات سيادة، مما منح الحاضرين قدرًا من الطمأنينة. لاحقًا، أنهى اتفاق بريتوريا عملية نزع سلاح قوات دفاع تيغراي (TDF) وسحب الجماعات الإريترية المسلحة من الإقليم، ليُغلق فصلًا سياسيًا معقدًا امتد لسنوات.
وفي ديسمبر 2025، أدخل مؤتمر الأمة العفرية المنعقد في سمرا مناخًا سياسيًا جديدًا داخل الساحة الإريترية. فقد تبنّت جبهة لواء نحمادو نتائج المؤتمر بقوة، مما أدى إلى انقسامات داخل الدوائر العفرية الإريترية، ظهرت بوضوح في نقاشات حادة داخل منتدى ANFET قبل أربعة أشهر. ومنذ تلك النقاشات، لم يشارك تنظيم EANC بفاعلية في المنتدى، إلى أن نشر الأخ أحمد يوسف إعلانًا عامًا حول انعقاد المؤتمر الوطني الثالث لـ EANC.
وصلتني الدعوة متأخرة بسبب انشغالي بمهام ANFET ومسؤوليات تنظيمية أخرى، لكنني أكدت مشاركتي بصفتي محررًا في ANFET ومشرفًا على الحوار الوطني. وكعادته، رحّب الرئيس أحمد يوسف بالقرار بروح إيجابية.
شهد المؤتمر حضور ضيوف مميزين، من بينهم زملاء من المجلس الوطني الإريتري للتغيير الديمقراطي (ENCDC)، إضافة إلى شخصيات معارضة مستقلة مثل عبد الرحمن سيد والدكتور تيدروس أمانوئيل، اللذين قدّما مداخلات قيّمة. كما قدّم الدكتور نقاسي حدقو ورقة حول رؤيته لإريتريا لامركزية ذات نظام اتحادي. أما قيادة EANC – الرئيس أحمد يوسف محمد، ونائب الرئيس عبد الله حميد، والسلطان أحمد أهاو من سلطنة بدو، والمناضل المخضرم إبادي محمد، والمضيف شيهم عبد الله – فقد أدارت جلسات المؤتمر بوقار وحماس.
أما الكلمة الرئيسية التي ألقاها البروفيسور جوزيف ماغنت، المعروف بأنه “أبو الدستور العفري”، فقد شكّلت نقطة تحول خطيرة. إذ قدّم رؤية مثيرة للجدل حول “عفر إريتريا ذاتية الحكم” مرتبطة بمناطق العفر في إثيوبيا وجيبوتي، مدعومة بعرض خرائطي عبر شرائح العرض. وقد أثارت تلك الخرائط قلقًا كبيرًا؛ إذ أوحت بإعادة رسم جيوسياسية قد تقود إلى توغلات عسكرية داخل إريتريا، وربما احتلال أسمرة، بل وصياغة دستور إريتري جديد من قبل قوى خارجية – في مشهد يذكّر بتدخلات ما بعد الحرب العالمية الثانية في اليابان وألمانيا. كما أعادت تلك الخرائط إحياء الجدل حول وصول إثيوبيا إلى البحر والتشكيك في سيادة إريتريا، في إطار طموحات إقليمية تتجاهل استقلال إريتريا وتضحيات شعبها.
وجاءت مشاركة آتو غيتاتشو رضا، المستشار السياسي الأول لرئيس الوزراء الإثيوبي، لتضيف طبقة جديدة من التعقيد. فظهوره في مؤتمر EANC – وهو تنظيم كان قد وقف سابقًا مع قضية تيغراي – يشير إلى إعادة اصطفاف مهمة. وتشير الأبحاث إلى أن هذا التحول يتزامن مع بروز تحالف لواء نحمادو في سمرا، ومع ما يسمى “الثورة الخضراء”، وهي حركة محلية يُرجّح أنها مدعومة من نفس الجهات الإقليمية التي موّلت الصراعات في إثيوبيا والسودان. وقد أنهت مشاركته أشهرًا من التكهنات حول حجم التأثير الخارجي على الاستراتيجية السياسية العفرية.
وسط هذه التطورات، برز صوتان بوضوح وشجاعة. فقد قدّم الدكتور محمد عبد السلام بابكر تحذيرًا حازمًا، مشيرًا إلى أن خارطة الطريق المقترحة تشبه النموذج نفسه الذي أغرق السودان في أزمته الحالية. أما آتو عبد الرحمن سيد بوحاشم فقدّم نقدًا جريئًا للرؤية المطروحة، مدافعًا عن سيادة إريتريا وكاشفًا ثغرات التصور الجيوسياسي المعروض. لقد مثّلت مداخلاتهما الصوت الدبلوماسي والسياسي الحقيقي للشعب الإريتري.

وفي هذه اللحظة الحرجة، من الضروري إدراك حدود التأثير الخارجي على المسار السياسي الإريتري. فإذا كان اتفاق رئيس الوزراء آبي أحمد مع صوماليلاند – وهو أكثر محاولات إثيوبيا طموحًا للحصول على منفذ بحري – قد فشل وانقلب على أصحابه، فإن أي خطة إثيوبية أخرى لن تتمكن من اختراق السياسة الإريترية أو إعادة تشكيل سيادتها. إن خطر التشرذم داخل صفوف المعارضة الإريترية حقيقي، لكن الاعتقاد بأن إثيوبيا قادرة على فرض خارطة طريق سياسية على إريتريا هو اعتقاد غير واقعي. فالمصير السياسي لإريتريا لا يمكن هندسته من الخارج؛ بل يجب أن يصاغ بإرادة شعبها ومؤسساتها ورؤيتها الوطنية الموحدة. ولا يمكن مواجهة النظام في أسمرة وحماية مستقبل البلاد إلا عبر منصة معارضة إريترية موحدة.

ويبقى السؤال المطروح أمام EANC اليوم هو ما إذا كان بالإمكان إنقاذ التنظيم من هذه الخارطة الخارجية. والإجابة تقع على عاتق شعب دنكاليا وقيادة EANC والتنظيمات العفرية الإريترية الأخرى. وعلى الرغم من الاضطراب، لا يزال الرئيس أحمد يوسف متفائلًا، فيما يواصل الشيخ أحمد أهاو – القائد التقليدي المحترم والمناضل المخضرم في جبهة التحرير – تجسيد الحكمة والأمل في تصحيح المسار. لقد ذكّرت مشاركته بأن القيادة الأصيلة، المتجذرة في الشرعية التاريخية، تبقى عنصرًا أساسيًا في توجيه الحركات السياسية العفرية نحو الاتجاه الصحيح.
غير أن علامات التحذير لا تقع على عاتق EANC وحده؛ بل تمتد إلى القيادة الأوسع للمعارضة الإريترية. فمستقبل الديمقراطية في إريتريا يتطلب وضوحًا وشجاعة وإرادة جماعية. لقد كشف المؤتمر الثالث لـ EANC حقيقة لا يمكن تجاهلها: إن النضال من أجل مستقبل إريتريا لا يحتمل الالتباس أو التلاعب الخارجي أو الأجندات المتفرقة. بل يحتاج إلى رؤية وطنية موحدة، تستند إلى السيادة، وتسترشد بالحكمة الأصيلة، وتُدعَم بقيادة مبدئية.
For further information click here



